فخر الدين الرازي

209

الأربعين في أصول الدين

الصلاة ؟ لأنا نقول : جميع النيران لا بدّ أن تكون متلظية . والآية دلت على أن النار المتلظية تصيب الكفار . وحينئذ يحصل المطلوب . والحجة الرابعة : « إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ ، عَلَى الْكافِرِينَ » ( النحل 27 ) دلت هذه الآية : على اختصاص الخزي بالكافرين ، ثم إن كل من دخل النار ، فقد حصل له الخزي . لقوله تعالى : « رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ ، فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ » ( آل عمران 192 ) ولما لم يحصل الخزي الا للكفار ، وجب أن لا يحصل دخول النار الا لهم . الحجة الخامسة : قوله تعالى : « يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً » ( الزمر 53 ) حكم بغفران الذنوب جميعا . ولم يشترط فيه التوبة . وذلك يدل على أنه تعالى يغفر الذنوب قبل التوبة وبعدها . فان قيل : فيلزم من دلالتها : مغفرة الكفر ، لأنه من الذنوب . قلنا : هب أن هذا العام دخله هذا التخصيص ، فيبقى فيما عداه حجة . وأيضا : لفظ العباد في القرآن مخصوص بالمؤمنين . قال تعالى : « عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ » ( الانسان 6 ) . الحجة السادسة : قوله تعالى : « وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ » ( الرعد 6 ) وكلمة « على » تفيد الحال . كقولك : رأيت الأمير على أكله . أي رأيته حال أكله . فكذا هاهنا دلت الآية على أنه تعالى يغفر لهم حال اشتغالهم بالظلم . وحال اشتغالهم بالظلم ، يمنع حصول التوبة . فعلمنا : أنه يحصل الغفران بدون التوبة . فيقتضى هذا الدليل : حصول الغفران للمشرك . لأن الشرك ظلم ، بدليل قوله تعالى : « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » ( لقمان 13 ) الا أنه ترك العمل به ، لقوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » ( النساء 116 ) فيبقى حجة فيما عداه . والفرق : أن الكفر أعظم حالا من المعصية . الحجة السابعة : قوله تعالى : « وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ » ؟ ولفظ « الْكَفُورَ » للمبالغة . فوجب أن يختص هذا الحكم بالكافر الأصلي .